الشوكاني
191
فتح القدير
صحيحا فهو دخل . وقيل الدخل ما أدخل في الشئ على فساده . وقال الزجاج غشا وغلا ( أن تكون أمة هي أربى من أمة ) أي بأن تكون جماعة هي أربى من جماعة : أي أكثر عددا منها وأوفر مالا . يقال ربا الشئ يربو إذا كثر ، قال الفراء : المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو لقلتكم وكثرتهم وقد عزرتموهم بالأيمان . قيل وقد كانت قريش إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم ، وقيل هو تحذير للمؤمنين أن يغتروا بكثرة قريش وسعة أموالهم فينقضوا بيعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( إنما يبلوكم الله به ) أي يختبركم بكونكم أكثر وأوفر لينظر هل تتمسكون بحبل الوفاء أو تنقضون اغترار بالكثرة ؟ فالضمير في به راجع إلى مضمون جملة : أن تكون أمة هي أربى من أمة : أي إنما يبلوكم الله بتلك الكثرة ليعلم ما تصنعون ، أو إنما يبلوكم الله بما يأمركم وينهاكم ( وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) فيوضح الحق والمحقين ويرفع درجاتهم ، ويبين الباطل والمبطلين فينزل بهم من العذاب ما يستحقونه ، وفى هذا إنذار وتحذير من مخالفة الحق والركون إلى الباطل ، أو يبين لكم ما كنتم تختلفون فيه من البعث والجنة والنار . ثم بين سبحانه أنه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء أو على الإيمان فقال ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) متفقة على الحق ( ولكن ) بحكم الإلهية ( يضل من يشاء ) بخذلانه إياهم عدلا منه فيهم ( ويهدى من يشاء ) بتوفيقه إياهم فضلا منه عليهم - لا يسأل عما يفعل وهم يسألون - ولهذا قال ( ولتسألن عما كنتم تعملون ) من الأعمال في الدنيا ، واللام في وليبينن لكم ، وفى ولتسألن هما الموطئتان للقسم . ثم لما نهاهم سبحانه عن نقض مطلق الأيمان نهاهم عن نقض أيمان مخصوصة فقال ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم ) وهى أيمان البيعة . قال الواحدي : قال المفسرون : وهذا في نهى الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نقض العهد على الإسلام ونصرة الدين ، واستدلوا على هذا التخصيص بما في قوله ( فتزل قدم بعد ثبوتها ) من المبالغة ، وبما في قوله ( وتذوقوا السوء بما صددتم ) لأنهم إذا نقضوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدوا غيرهم عن الدخول في الإسلام . وعلى تسليم أن هذه الأيمان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي سبب نزول هذه الآية ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وقال جماعة من المفسرين : إن هذا تكرير لما قبله لقصد التأكيد والتقرير ، ومعنى فتزل قدم بعد ثبوتها فتزل قدم من اتخذ يمينه دخلا عن محجة الحق بعد ثبوتها عليها ورسوخها فيها . قيل وأفرد القدم للإيذان بأن زلل قدم واحد أي قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم ، فكيف بأقدام كثيرة ؟ وهذا استعارة للمستقيم الحال يقع في شر عظيم ويسقط فيه لأن القدم إذا زلت نقلت الإنسان من حال خير إلى حال شر ، ويقال لمن أخطأ في شئ زلت به قدمه ، ومنه قول الشاعر : تداركتما عبسا وقد ثل عرشها * وذبيان قد زلت بأقدامها النعل ( وتذوقوا السوء بما صددتم ) أي تذوقوا العذاب السئ في الدنيا أو في الآخرة ، أو فيهما بما صددتم ( عن سبيل الله ) أي بسبب صدودكم أنتم عن سبيل الله وهو الإسلام . أو بسبب صدكم لغيركم عن الإسلام ، فإن من نقض البيعة وارتد اقتدى به غيره في ذلك فكان فعله سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها ولهذا قال ( ولكم عذاب عظيم ) أي متبالغ في العظم ، وهو عذاب الآخرة إن كان المراد بما قبله عذاب الدنيا . ثم نهاهم سبحانه عن الميل إلى عرض الدنيا والرجوع عن العهد لأجله فقال ( ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا ) أي لا تأخذوا في مقابلة عهدكم عوضا يسيرا حقيرا ، وكل عرض دنيوي وإن كان في الصورة كثيرا فهو لكونه ذاهبا زائلا يسير ، ولهذا ذكر سبحانه بعد تقليل عرض الدنيا خيرية ما عند الله فقال ( إنما عند الله هو خير لكم ) أي ما عنده من النصر